القروي.. والزقر

الفقر.. تعريف مؤلم بصفة عامة في حياة الناس.. لكنه حالة مراحل..

مَنْ ينتهون إلى الشيخوخة وهم في حالة الفقر فهم ينهون زمن عذاب طويل الأمد.. وزمن عجز مؤلم عن توفير أي بساطة معيشة..

ومَنْ يغادرونه في سن الرجولة.. منتصف العمر.. فهو يضعهم في محاولة تيسير أي قدرات محدودة، لكنها على الأقل توفّر منطلق بدايات بسيطة للأبناء..

أما مَنْ يجدونه في سن الطفولة والمراهقة فقد وضعهم الفقر في حالة بحث جادة عن وجود منطلق أفضل.. ثم في سنوات لاحقة الوصول إلى أرقى من ذلك..

عدد ليس بالقليل من رجال المال البارزين في عصرنا الراهن بدأوا حياة العمل وهم أقل وظيفياً ممّن هم في الصادر والوارد، بكونهم مجرد متابعين لوصول مصالح متبادلة بين أغنياء، وهم كمجرد مرتب قليل قد لا يكفي للمعيشة اليومية البسيطة في ذلك الزمن.. وبعضهم لضآلة معلوماته كان يسمّى «القروي» أي ابن قرية متواضع المفاهيم..

هنا تأتي منجزات انطلاق جادة وواعية تحوّل فقر الطفولة القديمة إلى واقع جزالة القدرة الاقتصادية الراهنة..

نعرف أنه قبل سنوات ليست بالقليلة لتكن ما قبل المئة عام أو بعد ذلك بسنوات متلاحقة عندما كان فقر نجد المزعج يدفع بالمحتاجين في واقع لا تُعرف فيه وسائل المواصلات ولا معرفة ماذا هم يتّجهون إليه في الكويت أو البحرين مثلاً.. لكن القليل منهم أصبح في واقع انطلاق مذهل.. ومَنْ وُجدوا هنا كموظفين صغار عند أغنياء كبار تحوّلوا الآن إلى الكبار.. هذا واقع رائع ومشرف لكل مَنْ فعلوا ذلك..

جانب آخر يخص غيرنا.. حضرموت.. منطقة بالغة الجزالة في بذل جهود الوصول إلى نجاح مالي نزيه وناجح الانطلاقات، فهم - وقد عرفوا شرق آسيا في وقت مبكر - عرفوا أيضاً المملكة وبالذات في المنطقة الغربية ثم نجد بعد تحرّكها المبكر.. وكانت لهم رعاية رائعة من النادر أن يفعلها غيرهم، حيث كانت لهم حالة تبنٍّ مهنية لمن يأتون من بلادهم في سن مبكرة ليعملوا في وظائف صغيرة قد لا يكفي مردودها لاحتياجهم اليومي فيجدون من تلك الرعاية ما يسهّل لهم معيشتهم..

وكان الشاب الصغير يسمى «الزقر».. ورائع جداً أن تجد الآن كبار رجال أعمال شرفاء واقع الحاضر مثلما هم شرفاء البدايات..

وحضرموت لم تكن وحدها المهيأة للنجاح النزيه الرائع.. ففي جنوب اليمن.. عدن مثلاً.. كانت تتوفر فيها قدرات التقدم المتنوعة، حتى إنها كانت قبل خمسين عاماً تقريباً تنافس لبنان في تنوّعاتها الفنية والاقتصادية.. إلاّ أن المد الثوري السخيف الذي اجتاحها قبل أن تدخل في اتحاد مع يمن الشمال.. حوّلها إلى عجز مذهل وأصبحت بعد ذلك - أعني بعد انضمامها إلى شمال اليمن - يتوفّر في شوارعها المحتاجون العاجزون أكثر مما يتوفّر العاملون بتنوّع القدرات كما هو الحال في الماضي..
الأربعاء , January 21, 2015 - 18:45
اسم الكاتب : 
تركي السديري

شاركنا التعليق

Plain text

  • غير مسموح بتاجات الHTML
  • سيتم اضافة رابط الصفحة والبريد الالكتروني تلقائيا
  • الاسطر و الفقرات سيتم تنسيقها تلقائيا