عهد السلطان صالح بن غالب القعيطي

أصدرت دار الوفاق للدراسات والنشر كتاباً بعنوان ( عهد السلطان صالح بن غالب القعيطي 1936ـ 1956 م في حضرموت ) وهو من تأليف الأستاذ محمد سالم باحمدان ، وجاءت صفحات الكتاب في ( 252 صفحة ) من القطع المتوسط ، ويعتبر الكتاب مهماً من ناحية الدراسة التاريخية للحقب الزمنية في حضرموت ، فقليلة هي الكتابات والدراسات المنهجية التي تخصص للحقب التاريخية للحكام والسلاطين ، ولعل قلة المادة واختفاء الوثائق هي عقبة الباحثين في هذا المجال وهو ما أكد عليه الأستاذ محمد سالم باحمدان في مقدمته للكتاب .
لقد ولد ونشأ السلطان صالح ـ رحمه الله ـ في أسرة ثراءٍ , ووجاهة , فأبوه السلطان غالب بن عوض , ( الذي تولى الحكم في حضرموت , بعد وفاة أبيه السلطان عوض بن عمر في عام 1328هـ ) وجَدُّه السلطان عوض بن عمر , كان صاحب ثراء , ووجاهة في الهند , فهو الجمعدار , والضابط في الجيش الهندي ؛ ولذلك فقد حظي صاحب الترجمة بعناية كبيرة من والده , وبمزيد محبة من جدِّه الذي كان يميزه على غيره من أفراد الأسرة , يقول المؤرخ سعيد باوزير: ( وفي سن مبكرة التحق بالتدريب العسكري , وانضم إلى الجيش في حيدر أباد , ثم انصرف إلى التحصيل , والدرس , و اكب على تلقي العلوم , والمعارف , مستعيناً بكبار علماء عصره في الهند)، ومنهم السيد أبو بكر بن عبد الرحمن بن شهاب , المتوفى سنة 1341هـ.
وقد كان صاحب موهبة فذَّة , استفاد بها من كل ما يصل إليه من كتب القدماء , والمحدثين , حتى نال حظاً كبيراً من العلوم , ولم يقتصر ولعه بالعلم على علوم الشريعة فحسب , بل راح يتتبع أنباء النهضة العلمية الحديثة , ويقرأ ويستوعب كل ما وصل إليه العلم الحديث من مكتشفات ومخترعات , بل ربما حاول بنفسه تطبيق بعض النظريات العلمية , وتجربة ما يدرسه من أصول الفن , والصناعة , وكان كثيراً ما يصلح بيده بعض الأجهزة , والآلات , كالراديو والميكرفون , كما كانت له خبره في علوم الهندسة , والجبر , والجغرافيا وغيرها , تؤكد ذلك مؤلفاته التي ألَّفها.
ومما يدل على اهتمامه بالعلم , ووسائله أنه كان يتكلم إلى جانب لغته العربية , اللغات الهندية , والفارسية , والانجليزية , والفرنسية. وقد كان يملك مكتبة , من أكبر المكتبات في جنوب الجزيرة العربية في ذلك الوقت , وهي التي سمَّاها المكتبة السلطانية , حيث افتتحها في عام 1941م , وجعلها مكتبة عامة , وقد حوت مجموعة من الكتب القيمة , دينية , ولغوية , وأدبية , وتاريخية , وسياسية , واجتماعية , وطبيعية , ثم عيَّن الشيخ عبد الله الناخبي ناظراً عليها , ومن حبه للعلم وحرصه عليه , أن بلغ إنفاقه على المدارس – أي في ميزانية الدولة ـ ما يوازي خمس حاصل فرضه المكلا , بالتقريب , كما يقول العلامة ابن عبيد الله.
و امتاز السلطان صالح ـ رحمه الله ـ بحبِّه للعدل , وبُعده عن الظلم , وكان صاحب عفوٍ شامل , وحلم واسع , كما وصفه العلامة ابن عبيد الله ـ رحمه الله ـ كما عُرِف منذ كان أميراً , بعلمه الغزير , وأدبه الجم , ورغبته في الإصلاح , متواضعاً , بسيطاً في معاملته.
لا يختلف اثنان أن السلطان صالح اشتهر بالسياسة , والحكم , أكثر من اشتهاره بالعلم , وانتسابه إلى العلماء , لا سيما علوم الشريعة , وهذه مزية تميز صاحب الترجمة , أن جمع الله له بين الأمرين.
ومن يطلع على كتبه , ومؤلفاته يعرف مكانته العلمية , وغزارة علمه , التي دعت العلماء , والأدباء , والتربويين , لا يترددون في الاعتراف بعلمه , والثناء عليه , حيث يقول العلامة ابن عبيد الله في سياق الكلام عن سلاطين الدولة القعيطية : ( وخلفه العلامة الجليل السلطان صالح بن غالب , وكان غزير المادة في العلم , كما تشهد له بذلك مؤلفاته المنقطعة النظير ).
وقال عنه المؤرخ سعيد باوزير: لا نعرف فيما قرأنا من تاريخ حضرموت , ملكاً قُوبِل عهده بمثل ما استقبل به عهد السلطان صالح, من تفاؤل , وأمل , وذلك أن هذا السلطان كان معروفاً منذ كان أميرا ً, بعلمه الغزير , وأدبه الجم , وإطلاعه الواسع , على أحوال العالم الحديث , وتطوراته , وحبه لشعبه , ورغبته في الإصلاح.
والشيخ القدَّال باشا , هو الآخر ممن عاشر السلطان عن قرب فقال عنه : ( رجل مهتم بكثير من العلوم الحديثة , وله مشاركة حسنة في علوم الهندسة الميكانيكية , وله إلمام واسع بعلوم العربية , وعلوم الدين , ويتكلم العربية , والانجليزية , والأردية)
ويذكر الأستاذ سعيد باوزير, أن السلطان صالح كان من المعجبين بالمدنية الحديثة, المتتبعين لأحدث التطورات, والمشجعين للاستفادة منها, والاقتباس من كل صالح مفيد من آثارها , ولكن هذا الحب لا يعني الذوبان , والتخلي عن أصول دينه , وأخلاقه , وتقاليده النافعة ,لا سيما وهو أحد علماء الدين البارزين , الواقفين على أسرار الدين الإسلامي , الواثقين من صلاحيته لحكم الحياة , وحل مشاكلها , وتلبية حاجاتها.
ومن المؤسف أن المؤلف لم يثري حادثة القصر 1950م والتي وقع في قصر السلطان صالح بن غالب القعيطي حقها من السرد التاريخي ، فهذه الحادثة تعطي صورة للحالة السياسية التي كانت عليها حضرموت وخاصة السلطنة القعيطية فعلى اثر تعين الشيخ القدال كسكرتير للدوله القعيطية - ما هي الدواعي والاسباب كما وردها شهود العيان , ان مجموعة من المتعنصريين والمتعصبيين بأفكارهم العقيمة يرون فى الشيخ القدال انه غير مواطن حضرمي, بينما الشيخ القدال حسب الشرع والقوانين والأعراف والأخلاق يعتبر مواطن حضرمي صالح من الدرجة الاولي , فقد اتى الى البلاد يحمل مشعل العلم والنور لتبديد الجهل والظلام , وبرز معلما ماهرا وإداريا باهرا وتتلمذ على يده الكثير من خيرة ابناء حضرموت ، وحب البلاد التى بادلته الحب , فقدومه كان لغرض سامي وليس للارتزاق المادي و شغل منصب اداري كبير فى التعليم , وتفانيه وإخلاصه وعلمه اهله لمنصب السكرتير.

هاني سالم مسهور

شاركنا التعليق

Plain text

  • غير مسموح بتاجات الHTML
  • سيتم اضافة رابط الصفحة والبريد الالكتروني تلقائيا
  • الاسطر و الفقرات سيتم تنسيقها تلقائيا