الصراع الحمومي القعيطي وتأثيره على مدينة غيل باوزير

عدنان أحمد جروان

كان لهذا الصراع خلفية تاريخية مع السلطنة القعيطية حيث بدأ منذ عام 1867م( )، واستمر هذا الصراع واحتدم حتى ما بعد عام 1936م حيث كان كل جانب يناهض الآخر، وكان لموقع الحموم أهمية استراتيجية جعلهم يدخلون في صراع مع السلطنة القعيطية، وتكمن تلك الأهمية في نقل البضائع بواسطة (إبلهم) التي تمر عبر السلاسل الجبلية إلى وادي حضرموت من الساحل وبين بعض قرى ومدن الوادي نفسه( ). وكانت السلطنة القعيطية كثيراً ما تهدد هذا الموقع ، لذلك حاول الحموم طلب عقد هدنة مع انجرامس (المستشار السياسي) من اجل المحافظة على أهمية هذا الموقع وكذلك المحافظة على مصدر رزقهم وحقهم في استخدام الإبل لنقل البضائع ، وكانت ابرز شروط هذه الهدنة أن القعيطي لا يستخدم السيَّارات إلاّ لنقل الركاب فقط، وان يستمر الحموم في نقل البضائع عبر إبلهم( )، هذه الهدنة لها صدى واسع حتى في غيل باوزير فعندما عقدت في عام 1355هـ (1936م) قال شاعر الحموم سالمين كعموم العلي أبياتاً شعرية بمناسبة وصول انجرامس (Ingrams) إلى وادي عرف ، وعقد الهدنة مع الحموم ، وهي:-

نحــن توكـلــنا علـــى الله ربـنـا المـلك مـلـكك والخــلائق والـسمـاء قـال الفتى بلِّغ على الكلمـة وفــــاء مـعـنا خـزائن مـن خـزائنهـم مـلاء سلام بو مــحـفـوظ من رأس الـفـتى القـبولـة قـلـّة يعـدّ لهـا ســـوى مـولا الـدلائل والـفـوائـد لـي تـفيد وان حـجـة مـاشـيه مــاهي بعيــد ومـن قـصـر عمره يقع مـوته شهـيد لي تفـسـد الكافر و مـن حربه شـديـد عارأس بو مـقعط وعـسكـر والعـبيـد ما نؤخـذ القـاصـر ولا لـي بايزيـد( ) أرتد صدى هذه الأبيات في غيل باوزير، واطلع عليها الشاعر عمر بن شيخ بن طاهر باوزير، فلم يتأخر عن الرد على شاعر الحموم بالأبيات التالية :- حـيّا رحـب بأبيات مـن شـاعر حـوى والـظاهر أن الأمـر بالحـيلـة نــوى يا قف يا حـاوي على الأمة لـــــؤى با يطبّـق احـسابك سـوى وإلاّ غــوى والبدوي إلاّ خـيط في اللوح انطـــوى رسول عـزرائيل يالـبدوى ضـــوى والـسـم با تـشربه مـن بعـد الـدواء ها جـسـي يا كعـموم من مـورد روى بالبأس والـقـوة وربعـه والــبوى ( ) أحـييك يا رجال لا تركب هــــوى وحـذّر الأصـحـاب مــرّة والـخوى قـد جـاءكم المـنـدوب وزنوده قــوى وان خالـفـت خـصلـة فـي الدنيا لوى عالعـقـل والعـزَّة وتصـفـات الحديد لكن رب العـرش يفـعـل مـا يـريـد يا باسط الـيدين عـاسـاحــل ونيـد( ) ووصولكم عندي كـما جـمعـة وعـيد وابغى كـمـا جـعفر وهـارون الرشيد لي هـو قـبض بالحنجرة هـي والوريد والـباب با نفـتحـه لـي مـاله قلـيد( ) وناصـب الـميزان وابن الـجـيد جـيد با يبـيـّن الـخاسر ولي هو مسـتـفيد شـف من ملك لـه عبد بايدعـيه سـيد ذا شـغل يا صاحب فـي الـعـام الجديد ونشـوفـهـا نيـران تـتوقـد وقـيـد باجيـبهـا مـن قرب وإلاّ مــن بعيد( )

كان رداً قوياً دون شك وكأن الشاعر الشيخ عمر بن شيخ بن طاهر تنبأ بنقض هذه الهدنة من خلال رده وما تحويه أبياته وهذا يدل على البعد السياسي لأبناء الغيل ، الذي يؤكد النضج الفكري والوعي السياسي لما يحيطهم من أحداث . نقض القعيطي شروط هذه الهدنة، حيث قام بتمهيد الطريق لنقل البضائع بالسيَّارات إلى وادي حضرموت فرأى الحموم بذلك أن القعيطي منافساً تقليدياً لهم ولإبلهم الوسيلة التقليدية في النقل، وأنه يعمل على حرمانهم من وسيلة الكسب والعيش، فكان ردهم على ذلك نهب حمولة خمس سيَّارات وقتل (قائم) الغيل ومرافق له في طريقهما من الشحر إلى الغيل عام 1937م، وكان رد القعيطي - الإنجليزي قصفاً جويَّاً بالطائرات في قرى المعدي ونسيم ، معقل علي بن حبريش زعيم الحموم، وهدد البريطانيون باستمرار القصف لو لم يتم تسليم الأفراد الذين قاموا بعمليات النهب مع استرجاع الأشياء المسلوبة، وكان التهديد شديد اللهجة لذلك استسلم الأشخاص الذين قاموا بالعملية وأعادوا الأشياء المسلوبة، وكان رد الحموم على تمادي إنجرامس (Ingrams) في عقابهم ، هو استمرارهم في نهب السيَّارات القعيطية المتنقلة بين المدن والقرى التابعة للسلطنة وخاصة الشحر( ). جهّز الإنجليز جيشاً قويا (انجليزي _ قعيطي) للقضاء على تمرد الحموم ، فهجموا به معقلهم في غيل بن يمين وعجز الحموم في الدفاع على هذه القلعة الرصينة ، والتي كانت إحدى مناطقهم المهمة ، إذ دخلتها قوات القعيطي بمساندة قوَّات إنجليزية في 15/11/1939م( ). وحاول الحموم الرد على هذا العدوان بعمل كمين للقوات القعيطية في سهل (حرو( ))، وأمطروها بوابل من الرصاص، فكانت معركة عنيفة خسر فيها الطرفان عدد من القتلى، وكان قتلى الحموم أكثر لعدم اختيارهم المكان المناسب للمعركة ، لذلك استطاعت القوَّات القعيطية مواصلة سيرها إلى غيل بن يمين( ) . تجهزت القوَّات القعيطية ذاتها عائدة إلى الشحر ، بعد استراحتها في غيل بن يمين ، وحاولت تلك القوّاَت تغيير طريقها عبر مضيق ( بلس( )) إلاّ أن الحموم هاجمتها وأوقعت عدد من القتلى ليثأر الحموم لقتلاهم في حرب يوم (حرو) . ولم يتدخل الإنجليز هذه المرَّة، لانشغالهم بإعداد وتدريب جيش البادية الحضرمي( ). قام الحموم بتوجيه صفعة للقعيطي والإنجليز معاً في عام 1940م ، عندما انضمت بقواتها إلى حركة ابن عبدات( ) التي طالما أرهقت الإنجليز ، وأعلنت الدولة القعيطية مقاطعة الحموم في غضون تلك التطورات الأخيرة ودعت كل القبائل إلى مقاطعتهم وكان ذلك في 16 شعبان عام 1459هـ الموافق 19 سبتمبر 1940م، ولم يُنَفَّذ القرار لأنه في اليوم الثاني أي 17 شعبان 1459هـ الموافق 20 سبتمبر 1940م عقد صلح بين القعيطي والكثيري من جهة وآل عمرو والحموم من جهة أخرى. واعترفت السلطنة القعيطية بحقوق الحموم التاريخية، وكانت هذه الهدنة أحد الأسباب الأساسية في إنهاء الصراع الحمومي القعيطي، توفي زعيم الحموم علي سالم بن حبريش في نهاية عام 1940م وعقدت هدنة سلام أخرى بين الطرفين مدّتها عشر سنوات 1940- 1950م ، تم بها القضاء على الصراع الحمومي القعيطي ، توجه الحموم بعدئذٍ إلى الزراعة وتعليم أبناءهم، وهاجر كثير منهم إلى خارج السلطنة القعيطية لكسب العيش( )، وبذلك انتهى صراع طويل مرير أدمى الطرفين.







------------------------------

1- بدأ الصراع الحمومي القعيطي عام 1867م، وكان منذ أن بدأ والحموم يقطعون الطريق على المدن القعيطية ، وكان معظم رد القعيطيون بمساعدة بريطانيا،واستفحلت الازمة في عهد السلطان غالب عام 1918م عندما رفض الاعتراف بهم، لذلك اعاقوا حركة النقل حول الشحر، كان الرد مذبحة الحموم عام 1919م، ورد الحموم عام 1925م باحتلال الديس الشرقية واسروا (29) من جنود القعيطي وفي عام 1928 هجم الحموم على نخل في الديس وجرت بينهم وبين القعيطي معركة وهكذا يستمر الصراع، الجعيدي ، عبد الله سليمان، المرجع السابق صـ 156 – 163.

2- علي ، علي حسن، والملاحي، عبد الرحمن عبد الكريم، تاريخ الصراع الحمومي القعيطي ودوافعه 1867 – 1967م، وثائق الندوة العلمية حول المقاومة الشعبية في حضرموت 1900 – 1963م، المرجع السابق صـ 216 – 217، صـ 244.

3- باهمز ، مبارك عبدالله ، مذكرات .
نيد : (نجد) الجهة المعاكسة للساحل وتنطق بالعاميد نجد ، وهي جهة الشمال . قليد : مفتاح الأبواب القديمة ، يأتي مصنوع من الخشب . ربعه : أهله وخلانه وأصحابه ، البوى : المسئولين عليه ، والبوى كلمة عامية تعني الأباء .. علي ، علي حسن والملاحي ، عبد الرحمن

4- علي ، علي حسن والملاحي ، عبد الرحمن عبد الكريم المرجع السابق ص245.

5- الجعيدي، عبد الله سعيد سليمان، المرجع السابق ص 165.

6- حرو : سهل منبسط إلى الشرق من جول رسب يمر فيه المسافر إلى غيل بن يمين من جهة الساحل، حيث مرت فيه القوات القعيطية وهي في طريقها إلى غيل بن يمين.

7- علي ، علي حسن ، والملاحي ، عبدالرحمن عبدالكريم ، المرجع نفسه ، ص246 – 247 . مضيق بلس يقع إلى الشمال الغربي من الشحر على بعد 15 ميل منها .
8- حركة ابن عبدات قامت في الغرفة بالقرب من سيئون، وفصلت الغرفة عن الدولة الكثيرية في سيئون وكان ابن عبدات يريد الانجليز أن يعترفون به ككيان سياسي لذلك كان الصراع الذي استمر بين الطرفين في الفترة من 1924 – 1945م.

شاركنا التعليق

Plain text

  • غير مسموح بتاجات الHTML
  • سيتم اضافة رابط الصفحة والبريد الالكتروني تلقائيا
  • الاسطر و الفقرات سيتم تنسيقها تلقائيا